استعرض وزير الشباب والرياضة جوهر نبيل زيادة استثمارات الدولة في المنشآت الشبابية والرياضية، خلال اليوم الأول من منتدى مصر 2026، في إطار جولة حكومية لاستعراض الإنجازات. لكن الأرقام الرسمية تكشف جانبًا آخر من الصورة؛ إذ شهدت مراكز الشباب بالقرى تراجعًا حادًا في عدد المباريات والفرق الرياضية المسجلة خلال العقد الأخير، رغم زيادة عدد هذه المراكز، ما يثير تساؤلات بشأن مدى استفادة الشباب في المناطق الريفية من الاستثمارات المعلنة.
وفي تقرير نشره موقع «مدى مصر»، يقارن الموقع بين الأرقام التي عرضها وزير الشباب والرياضة والبيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والتي ترصد انخفاضًا ملحوظًا في النشاط الرياضي داخل مراكز الشباب بالقرى بين عامي 2013 و2024. كما يتناول التقرير نتائج المشروع القومي للموهبة والبطل الأولمبي، في ضوء تراجع حصيلة مصر من الميداليات في أولمبياد باريس 2024 رغم ارتفاع تكلفة إعداد البعثة الرياضية.
استثمارات بمليارات الجنيهات.. لكن النشاط الرياضي في القرى يتراجع
خلال جلسة حملت عنوان «الشباب والرياضة: من صناعة الفرص إلى تحقيق التأثير»، أشار جوهر نبيل إلى إنفاق أكثر من 31 مليار جنيه على المنشآت الشبابية والرياضية، بما يشمل 4382 مركزًا للشباب، و23 استادًا رياضيًا، و40 ألف دوري لمراكز الشباب، و12 مدينة للشباب والرياضة، و4566 ملعبًا لكرة القدم. لكنه لم يحدد الفترة التي أنفقت الدولة خلالها هذه المليارات.
وفي مقابل الأرقام التي استعرضها الوزير، لم تتطرق الجلسة إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، التي تكشف تراجعًا حادًا في عدد المباريات التي تخوضها الفرق الرياضية، وعدد الفرق المسجلة بمراكز الشباب في القرى بين عامي 2013 و2024، رغم زيادة عدد المراكز.
ووفقًا للنشرات السنوية للجهاز عن عامي 2013 و2024، انخفض عدد المباريات التي خاضتها الفرق الرياضية في مراكز الشباب بالقرى بنسبة 85.5% خلال عقد واحد. وخلال الفترة نفسها، تراجع عدد الفرق الرياضية بنسبة 50.3%، رغم ارتفاع عدد المراكز بنسبة 6.7%.
وامتد تراجع المباريات إلى مراكز الشباب في المدن، لكن بوتيرة أبطأ؛ إذ انخفض عددها بنسبة 50.8%، رغم زيادة عدد الفرق الرياضية بنسبة 16.7%.
كما اتخذت أعداد اللاعبين مسارين متعاكسين؛ فتراجعت في مراكز الشباب بالقرى بنسبة 53.4%، بينما ارتفعت في مراكز المدن بنسبة 20.5%. ونتيجة لذلك، انخفضت حصة القرى من إجمالي اللاعبين المسجلين بمراكز الشباب من نحو 82% إلى 63% خلال 11 عامًا.
ولا يعكس هذا التراجع تحولًا تدريجيًا طويل الأجل فحسب، بل استمر أيضًا خلال الفترة الأحدث؛ إذ انخفض عدد المباريات في مراكز الشباب بالقرى بنسبة 28.3% بين عامي 2023 و2024 وحدهما، بينما ارتفع عدد الفرق بنسبة 21.8%، وفق نشرة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2024.
وخلال جلسة يوم الاثنين، شدد نبيل على أن مراكز الشباب تمثل بوابة الأطفال والشباب إلى ممارسة الرياضة، مشيرًا إلى توافر الفرص في المحافظات المصرية السبع والعشرين عبر 4600 مركز للشباب ومراكز لتنمية الشباب ومعسكرات.
مشروع الموهبة والبطل الأولمبي.. أرقام الإنجاز في مواجهة حصيلة باريس
حرص وزير الشباب والرياضة أيضًا على الإشارة إلى المشروع القومي للموهبة والبطل الأولمبي والبارالمبي، الذي تشرف عليه الوزارة، مشيدًا بتخريج 577 رياضيًا انضموا لاحقًا إلى المنتخبات الوطنية في ألعاب مختلفة.
لكن الوزير لم يتناول النتائج التي أفضى إليها هذا المشروع على مستوى المشاركة الأولمبية؛ إذ انخفض عدد الميداليات المصرية إلى النصف في أولمبياد باريس 2024. فرغم مشاركة مصر بأكبر بعثة في تاريخ مشاركاتها الأولمبية، لم تحصد سوى ثلاث ميداليات: ذهبية وفضية وبرونزية، أي نصف ما حققته في أولمبياد طوكيو 2020، حين فازت بست ميداليات، بواقع ذهبية وفضية وأربع برونزيات.
وجاء هذا التراجع رغم تجاوز تكلفة إعداد البعثة المصرية وإرسالها إلى باريس مليار جنيه، بزيادة قدرها 777 مليون جنيه مقارنة بتكلفة بعثة طوكيو. ونتيجة لذلك، تجاوز متوسط الاستثمار في الميدالية الواحدة خلال أولمبياد باريس 333.3 مليون جنيه، مقابل 37.1 مليون جنيه للميدالية في طوكيو.
وأُطلق المشروع القومي للموهبة والبطل الأولمبي في يوليو 2018، عقب لقاء جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بوزير الشباب والرياضة آنذاك أشرف صبحي، لمناقشة الاستعدادات لأولمبياد طوكيو 2020، بعد الإنجازات اللافتة التي حققتها مصر في دورة ألعاب البحر المتوسط.
ووصف صبحي المشروع بأنه أحد أبرز المشروعات القومية التي تنفذها وزارة الشباب والرياضة لتطوير الرياضة المصرية والنهوض بها، عبر اكتشاف أجيال من الرياضيين الموهوبين ورعايتهم باستخدام أساليب علمية حديثة ومراكز متخصصة تتناسب مع الألعاب الرياضية والفئات العمرية المستهدفة.
وبحسب صبحي، كان من المفترض أن يمثل المشروع «مستقبل مصر وأملها» في أولمبياد 2024 والدورة التالية المقررة عام 2028.
بين اكتشاف المواهب وتحقيق الميداليات.. أسئلة حول فاعلية الإنفاق الرياضي
تكشف المقارنة بين حجم الإنفاق على المنشآت الرياضية وتراجع النشاط داخل مراكز الشباب بالقرى عن فجوة تستدعي النظر إلى نتائج الاستثمار، لا إلى حجم الأموال المخصصة وحده. فزيادة عدد المراكز لا تعني بالضرورة ارتفاع معدلات المشاركة الرياضية، كما أن زيادة أعداد الفرق المسجلة لا تضمن استمرار المباريات أو اتساع قاعدة الممارسين.
وتطرح نتائج أولمبياد باريس تساؤلات إضافية حول قدرة البرامج القومية لاكتشاف المواهب وتأهيل الرياضيين على تحويل الإنفاق إلى إنجازات ملموسة. فقد ارتفعت تكلفة إعداد البعثة المصرية بصورة كبيرة مقارنة بطوكيو، بينما انخفض عدد الميداليات إلى النصف، ما يبرز أهمية تقييم نتائج الإنفاق الرياضي إلى جانب استعراض مخصصاته.
ولا تقتصر القضية على الوصول إلى المنشآت الرياضية، بل تشمل أيضًا مدى انتظام الأنشطة داخلها، واستمرار الفرق والمنافسات، وقدرة البرامج التدريبية على اكتشاف المواهب وتطويرها وصولًا إلى المستويات التنافسية العليا.
وللاطلاع على تفاصيل المشروع القومي للموهبة والبطل الأولمبي وما دار خلف الكواليس، نشر «مدى مصر» في أغسطس 2024 تقريرًا بعنوان «كيف تصنع بطلًا أولمبيًا.. أو لا تصنعه»، يتناول المشروع ونتائجه.
https://www.madamasr.com/en/2026/10/20/news/u/youth-and-sports-in-rural-areas-declining-participation-or-access-to-opportunities/

